هل نجحت المقاطعات أبداً؟ هل يهم الأمر حتى إذا كانت قد نجحت أم لا؟ أو أن الأمر كله متعلق بالأخلاقيات الشخصية؟
عندما رفضت روزا باركس أن تتخلي عن مقعدها لراكب أبيض في حافلة يقوم من مونتغومري في ألاباما، لم تكن على وعي تام بأهمية التصرف البسيط الذي قامت به والمعارض للمجتمع المدني، فمقاطعة حافلة مونتغومري التي تلت هذا التصرف كانت نقطة تحوّل في حركة الحقوق المدنية الأمريكية وأطلقت إلى تلك الكتلة الوطنية وزيراً معمّداً غير معروف نسبياً اسمه مارتن لوثر كينغ جونيور.
لطالما كات المقاطعة ركيزة تعتمد عليها المنظمات والأفراد سعياً وراء التعبير عن اعتراضاتهم، فعندما تنظّم كحركة جماعية كما حدث في مونتغومري، يمكن للمقاطعات أن تحدث تأثيراً مادياً خطيراً على المنظمة وتجبرها على إعادة التفكير في مواقف أو سياسات معينة مع لفت النظر إلى الظلم الواقع منها. على المستوى الفردي، يمكن للقرار الواعي بتجنب منتج أو خدمة أو بائع أو منظمة ما أن يكون أي شئ بداية من الشعور المطمئن بالذنب حيال استغلال عمالة الأطفال مثلاً وحتى عملاً مهماً يتمثل في تمكين الذات. بالإجمال، حتى تلك المقاطعات الفردية من شأنها أن تجتذب القدر الكافي من زخم الشركات الكبرى ليبدأ الشعور بالتضرر.
ربما يكون هذا هو السبب الذي دفع ستارباكس حافلةدار بيان صحفي في 16 يناير من هذا العام باللغتين العربية والإنجليزية تنكر فيه قطعياً تقديمها لأي تمويل مادي داعماً لحكومة إسرائيل أو جيشها، وقد جاء في جزء من البيان: "من المثبط للهمة أن يتم الدعوة لمقاطعة محلات ومنتجات ستارباكس. فقد كان لتلك الدعوة القائمة على أكاذيب سافرة تأثيراً مباشراً على الاقتصادات والمقيمين المحليين كما أنها أدت إلى القيام بمواقف عنف شملت متاجرنا وشركاءنا (موظفين) وزبائننا". يحاول البيان أن ينفي ما تلقبه الشركة بـ "الخرافات" التي تتناول دعمها لإسرائيل وجيشها. الجدير بالذكر أن الشائعات التي أحدثت هذا التأثير قد ظهرت في السنوات العديدة الماضية عبر منطقة الشرق الأوسط، وفي الوقت الذي انطلقت العديد من المواقع الإلكترونية التي تدعو إلى مقاطعة ستارباكس، انتشرت بشكل أسرع الكلمات التي تدعو إلى المقاطعة.
إلا أنه في الوقت الذي تكون فيه مقاطعة شركة يُعتقد –صدقاً أو كذباً- أنها تدعم سياسات غير قانونية لحكومة ما وانتهاكات لحقوق الإنسان أو خدمة حافلة تطبق سياسة عنصرية صريحة أمراً واضحاً بما يكفي، أثارت الدعوات الأخيرة بمقاطعة أكاديمية وثقافية للمؤسسات الإسرائيلية الكثير من الجدل، فما نتناوله الآن هو معاملة ثقافة أو أفكار ما كسلع واعتبارها تماماً مثل المنتجات الملموسة كفنجان من القهوة أو تذكرة حافلة.
من جانب آخر، أشعلت جاكلين روز، أستاذ الأدب في كوين ماري في جامعة لندن والناقد الصريح للصهيونية والسياسات الإسرائيلية، الفتيل بدفاعها عن المقاطعة الثقافية والأكاديمية للجامعات الإسرائيلية، إلا أنها سارعت في إبراز أن دعمها لتلك المقاطعة أمراً معارضاً بشدة ويعتبر "علامة يأس" ناتج عن معاناة الفلسطينيين من وطأة الاحتلال الإسرائيلي. في الوقت الذي تعبّر فيه عن قلقها من التشابه الواضح بين إسرائيل والتفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا، إلا أنها تؤمن أنه يمكن تعلّم درساً من تلك الأخيرة، فبرغم مقاطعة المؤسسات الجنوب إفريقية ثقافياً وأكاديمياً التس استمرت لعدد من الفصول الدراسية تبرز روز أن "مقاطعة نظام التفرقة العنصرية قد استمرت كما أنه حري بنا أن نتذكّر أنه إضافة إلى الحوار الذي ازدهر مع فناني وكتّاب البلد على حد سواء فإنه ساعد في إنهاء هذا النظام وإرساء أسس ديموقراطية شاملة".
لا يزال الجدل حول المقاطعة الثقافية والأكاديمية لإسرائيل قائماً، مثيراً الكثير من القيل والقال من مختلف الأطراف، لكن يبقى شيئاً واحداً واضحاً وهو: مادام الظلم منتشراً، ستنتشر المقاطعة كوسيلة للاحتجاج والسخط. إنفي.
لماذا لا أقاطع...
حسن الحوري
مدير تنفيذي
خدمات الملاحة الوطنية
الكويت
بالتعريف، المقاطعة هي عندما يختار طرف ما ألا يقوم بأي عمل مع طرف آخر بدافع الاحتجاج. واحدة من أشهر المفاطعات هي الحظر المفروض على النفط العربي عام 1973 الذي لم يُعترف به في الواقع من الغرب لا سياسياً ولا دبلوماسياً بل نتيجة له خفّضت الولايات المتحدة من اعتمادها على نفط منظمة الأوبك وعجّلت باكتشافاتها النفطية في ألاسكا وتكساس والقوقاز. لقد أدت المقاطعة إلى نتيجة عكسية.
من بين الأهداف العربية المشتركة للمقاطعة هي كوكا كولا، لكن هل يدرك المحتجون أن شركة كوكا كولا هي في الواقع ثانِ أكبر موظِّف للفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة إذ يعمل فيها أكثر من 3000 موظف؟ يمكن لنجاح تلك المقاطعة في الأراضي أن يعني إنهاء خدمات معيلي أكثر من 3000 أسرة. لهذا يتوجب على المرء أن ينظر في عدد الوظائف التي تتوفر في منطقتنا من مثل تلك الشركات متعددة الجنسيات التي نسعى إلى عزلها.
مثال آخر على المقاطعة هو ماكدونالدز الذي تصل عائداته من منطقة الشرق الأوسط إلى أقل من 5% من إجمالي عائدات الشركة كما أن المنطقة ليست واحدة من مناطق النمو المستهدفة منها. فمع هذه النسبة الضئيلة من إجمالي العائدات، يمكن للعرب أن يمتلكوا بعض السطوة لكن تصرفاً متطرفاً مثل المقاطعة لن يؤدي بالطبع إلى تغيرات توجيهية في منظور ماكدونالدز أو السياسة الأمريكية الخارجية.
من أجل أن نحقق نحن العرب أهدافنا، نحتاج إلى نندمج بتنافسية مع الاقتصاد العالمي والاستثمار في التعليم والبحث وبناء شراكات قطاع عام وخاص فعال مثل غيرنا الكثير.
لماذا أقاطع...
نورا قاسم
مسؤولة محتوى
مجلة بازار
الكويت
أولئك الذين يؤمنون أن مقاطعة الاستهلاكية غير الأخلاقية أمراً غير فعالاً – الاستهلاكية التي تروّج إلى الحروب وازدواجية المعايير التي تحول دون تحقيقها- هم أولئك الذين لم يقبلوا بطبقات الواقع والخيارات المتوفرة لدى ضمائرنا وممارساتنا العملية في حياتنا اليومية. لا يشمل الإيمان بالمقاطعة مجرد الاعتقاد بمعاداة الواقع أو مخالفة تيار يصعب التغلب عليه مثل تيار الصهيونية وتأثيرها على الاقتصاد العالمي، بل هي الاعتقاد في تغيير الأعراف المقبولة طوعياً وتبنّي مذهب البناء الذي تقوم عليه قوتنا. إننا نملك زمام القوة في إعادة تحديد واقع آخر وإعادة التفكير فيه، ليس فقط تخيّله بل سنّه ووضعه أيضاً.
يأتي إيماني بالمقاطعة من كونها خياراً معلوماً ونابع من سنوات الالتزام الجاد بالموضوع المطروح، بل والأهم من ذلك استدلالاً مما أراه نصب عيني يومياً ويشير إلى الحاجة إلى التغيير، فالنظام الذي نعيشه يستفيد من الفساد وهو من النوع غير المستدام. المقاطعة مجرد مركبة تتجه نحو التغيير لكنها أيضاً رؤية واعتقاد والتزام للبشرية التي أفسدتها النظريات والعقليات المنبثقة عن أنساب وهم هوبز. لماذا علي أن أقبل كتعريف ثابت أن الطبيعة البشرية أنانية بطبعها؟ ما ينقصنا هو الإيمان بأنفسنا والثقة بقدراتنا في خلق عالم أفضل. أقاطع لأنتمي إلى هذا الالتزام...الالتزام بإعادة التعريف والتقدم والثقة.
لا يخفى علينا اليوم أن للمؤسسات قوة عظيمة وتمثل جزءاً كبيراً من حياتنا في السراء والضراء، ففي عام 2000 أصدر معهد الدراسات السياسية تقريراً يبين فيه أن من أصل 100 اقتصاد، 51 هم من الشركات. بمظاهر السلطة والتأثير هذه يتبين أن أي خطوة تتخذها شركة كبيرة قد تؤثر على العالم المزيد